قومية التجري

يتحدث اللغة الحميرية / الجئزية (العربية الجنوبية القديمة) بعض قبائل شرق السودان (الحالي)، أخص بالذكر البني عامر والحباب، إلى جانب بعض القبائل الأثوبية والارتريه، وتعتبر لغة (التقري) وليس (التقراي) كما يكتبها البعض وللتوضيح (التقراي) قبيلة أثوبيه لغتها (التقرنيه)، أما (التقري) دون ألف بين الراء والياء فهي لغة يحتدث بها كما أسلفت (بعض سكان شرق السودان)، وتعتبر لغة التقري إحدى أهم اللغات (وليس اللهجات) الحميريه في الساحل الغربي للبحر الأحمر (البحر الحبشي) كما سماه المسعودي في سفره الموسوم (مروج الذهب)، ولغة التقري مثل غيرها من اللغات الحميرية الجئزية، حقنت العربية الشماليه (الفصحى حالياً) بمفردات كثيره، وبحكم مهنتي (صحفي) اعتبر إن أهم الكلمات التي استعارتها الفصحى من الجئزية كلمه (مُصحف) وهي كلمة حميريه تقابلها في عربيه الحجاز ونجد كلمة (كتاب)، واختار المسلمون أن يسموا كتابهم المقدس بالـ(مصحف)، ثم أطلقوا على مهنة الكتابة (صحافه)، وسموا المكتوب(صحيفة)، والكاتب (صحفي)، ولا زالت اقوام كثيره في إرتريا وأثوبيا وشرق السودان يسمون المكتب، أي مكتب (بيت صحفت) بكسر الصاد وتسكين الحاء وفتح الفاء وتسكين التاء، أي بيت الكتابة.

 

 

كانت أكبر تلك الموجات هي هجرات السبئيين عقب انهيار سد مأرب عن طريق (عدوليس وباب المندب) ثم إلى ارتريا، وبالمناسبة يُسمى (نهر القاش) في إرتريا (مرب) أي مأرب، ويسمون أحد انهارهم (عنسبا) أي (عين سبأ)، هؤلاء السبئيين انتشروا في ارتريا ونشروا معهم اللغة الجئزية(الحميرية القديمة)، العربيه الأم، السبئية، سمها ما شئت، وهي من أقدم اللغات السامية ولا زالت بعض قبائل جنوب اليمن وسلطنة عمان وبعض الكنتونات القبلية في الخليج والسعوديه تتحدث بها وهي تشابه إلى حد التماثل لغة التقري فيارتريا، لكن ولأن الإهمال المتعمد ساد ارتريا ولأن الهيكل صور لأهل تجري أن على المسلمين التحدث باللغة العربية الفصحى (الحديثة) لم يجهد المتحدثين بالتقري على كتابتها رغم أن حروفها موجودة في الجوار وتكتب بها في إرتريا وأثيوبيا كل من الأمهرية والتقرنية، وحتى لغة التقري تكتب بالحرف الجئزي في إرتريا وتدرس في المدارس، لكن هنا  باعتبار إننا عرب العرب بحسب إدعاءات الهيكل- فلن يجد الحرف الجئزي العربي القديم (الأصل) ولا اللغى الحميرية الجئزية الارترية موطئ حرف أو كتابه حتى من باب تدعيم فكرة اننا (عرب العرب) المبتذلة تلك.

 

 ان مدى امتزاج التقري بالعربية يكون الأكثر عمقا نسباً لأصول التقري العربيه وتقارب الناطقين بالتقري جغرافيا من الجزيرة العربية وروابط الثقافة والدين التي تربطهم بالعرب. يقول بعض الباحثين إن أكثر من ثلثي العربيه هي مفردات حميريه قديميه (يعني من لغة التقري في ارتريا ، ودعونا نتأمل قصيدة بلغة التقري للشاعر (سلطان ود حامد) وردت في كتاب (إينو ليتمان) وهي مكتوبة في أصلها بالحرف الجئزيو نقلها إلى الحرف العربي الباحث (جلال إبراهيم) العربي حتى تسهل المقاربة بين العربية والتقري، في القصيدة يعاتب الشاعراقرانه الذين لم يدعونه إلى مجلسهم لشرب القهوة وهذا يعتبر عيبا كبيرا في العرف السائد.

 

 

حَمَّدْكـُوكـَا إلهى، وَهَـا تـُو جلا َّ جلالـُو قـَلِى ظِقـُوبْ ودِيُـو، إبْ أرْزَاقـُو وَ مَالـُو وقلى دِبـُورْ وَدِّيُـو، فـَلِـيـلا َيْ ظـَعْـدَا أظـْفـَارُو وقلى فـَدَابْ وديـو، إتْ كـَبَاكِبْ أقـَّارُو وقلى حَوَانْ وديـو، نـَسُّؤ مِنـُو دِرَارُو وقلى مايت وديـو، أكـَفـِّنْ تـُو لأدَّالـُو قلى حي وديـو، قـَنـَادَالـُو وَ بَهَالـُو أمْعِلْ مَـنـَا مُولا َيـِّى، مِـنـَّا نـُورْ لأنـْوَارُو ولا َلِى منا مولايى، عِـنـْتـَاتْ لإقل عَأوَارُو وجـَنـَّة منا مولايى، مِـنـَّا سِرْ لأسْرَارُو وإسَاتْ منا مولايى، إقِـلْ لا َإكـُويْ عَامَالـُو وربِّى أمْـرَنـَا، وَ أدَامْ بَعَلْ لا َإيمَانـُو حِـنـَا مَا ربِّى تـُو هَـيْبَنـَّا، مِلـُؤْ هَـلا َّ أكـْزَانـُو لا َإت فـَتـِّـيـُو أبـِّيكـَّا، إنـْتـَا مَا تـْوَدِى أكـَانـُو لا َإت تـَهْيـبـُّو كـَلأكـَا، كِلْ وُرُو لِـوْعِلْ إبْ مَالـُو مِنـْدِى نـَهَـرْسَكـَّا، فِـظـَعْ وُ كِـبـُودْ قِـسَانـُو سِكـَابْ لا َلِى كـَلـْئِينـَّا، عـَقـَمْبـِسْـتـَا لا َجَارْجَارُو أنـا فـَاظِعْ تـْمَـيـِكـُو، وَ أدَّامْ بـِعِـدْ إىْ فـَالـُو أبَّـرَا أبـُوك، قِـيسَا إبَّـا دِنـَانـُو قـَتـْلـَوُ أبـوك، كِـلـُّو سَعَـيـُو طِـرْعـَانـُو شَغـَّالا َ قـَتـْلـَتـُو، أدَّامْ مَا مِـنـَّا حَـوَانـُو "

 

 

نجد ان عدد المفرادات والكلمات العربية التي ثماثل العربية السائده (الفصحي) في هذه القصيدة القديمة يصل إلى حوالى 40 كلمة من أصل 120 كلمة/ حوالى الثلث، لكن ذلك لا يعتبر بالطبع ليست قياسا نهائيا يقول المؤرخ ضرار صالح ضرار " أن لغة التقري كتبت بالحرف العربي أيام الحكم العثماني، أو المصري الخديوي، أو الإيطالي، وكانت تصل الرسائل من مصوع إلى بورتسودان، وسواكن، وعقيق، فيقرؤونها بسهولة...فعرفوا الأحرف العربية، وأخذوا يستعملونها في كتابة هذه اللغات السامية)، والمرء يساءل لماذا لا تكتب بالجئزي طالما هو متاح ومتوفر.

 

 

السؤال المطروح على مثقفي ومؤرخي منطقه جازان لماذا لا يتم التعريف بتلك الحضاره ودور اجدادهم في نشر الإسلام والعروبه في العالم الإسلامي كما يفعل غيرهم!!

كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة والرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) في مكة المكرمة هي العلامة الفارقة في تاريخ أفريقيا، لكن الحضور العربي سابق على هذا التاريخ بفترات طويلة، فمنذ القدم أطلق العرب على المنطقة التي تقع جنوب الجزيرة العربية مقابل البحر الأحمر بالحبشة، وهي قبيلة من أصل يمني، إذ إن أعرق البيوت فيها كانت تعرف ببني حبش، كما أن التاريخ يوضح جليا الصلات القديمة بين الملك أبرهة الحبشي واليمن التي كانت تقع تحت سيطرة ملكه النافذ في ذلك الوقت، وفوق هذا وذلك، فان الدور العربي في إثيوبيا مشهود ومحسوس للغاية، ولهم آثار واضحة في تكوين الشعوب الإثيوبية التي تفوق الثمانين قبيلة مختلفة، وهم خليط عربي زنجي ولكن الدماء العربية واضحة المعالم في الآثار التاريخية في إثيوبيا.

 

فإذا كانت هجرة الشهيد الطيار جعفر بن أبي طالب  إلى الحبشة مع ثلة من المسلمين في السنة الخامسة من البعثة (8 ق. هـ)، وتبعته هجرة ثانية سنة 6 للهجرة لغرض التبليغ الإسلامي، هي أول مؤشر تاريخي على حصول اللقاء الإسلامي الإثيوبي، حيث أسلم فيها الملك النجاشي في الخفاء وأسلم معه بعض مقربيه، فهناك هجرة ثالثة، وذلكإن جماعة من أهل اليمن ممن أرسلهم علياً  إلى الحبشة لنشر الإسلام"، كما أن الشهيد الطيار في عودته إلى المدينة المنورة سنة 7 للهجرة أحضر معه عدداً من الأحباش الذين أسلموا على يديه، ولكن بالتأكيد إن الهجرات العربية كانت من وراء الأغلبية المكونة للسكان ويظهر ذلك جليا في قبائل أمهرا وتجراي وارجوبا وعرب بني شنقول، والعروبة هي أوضح ما يكون في الشعب الهرري الذي تتركز في مدنه الحضارة الإسلامية التي امتدت في تاريخها القديم لتشمل مناطق واسعة من إثيوبيا على يد زعيمهم أحمد إبراهيم الأشول".

وأثيوبيا من قبل كانت تسمى بلد الممالك أو بلد الطراز الإسلامي، حيث كانت الممالك الإسلامية تقع على طول الساحل البحري، فكانت الممالك لساحل أفريقيا المقابل لجزيرة العرب كالطراز بالنسبة للثوب، ولذلك سميت الممالك بالطراز الإسلامي، ومن الممالك المشهورة آنذاك: مملكة ايفات، مملكة بالي، إمارة هدية، إمارة دارة، إمارة دوارو، مملكة أرابيني، ومملكة شرحة.

ولكل مملكة أو إمارة إسلامية خصوصيتها، وهي تتوزع اليوم بين إثيوبيا الحالية واريتريا وجيبوتي والصومال، فعلى سبيل المثال فإن إمارة دارة اشتهرت بمدنها ومنها هرر التي أصبحت عاصمة لإمارة عدل حيث كان لها دور كبير في انتشار الإسلام وقد بُني فيها تسعون مسجدا باقية آثارها إلى يومنا هذا، وكانت واحدة من القواعد الكبيرة لصد الهجمات العسكرية للممالك غير المسلمة، وكان أهلها يعتزون بها حتى عدوها مقدسة كالحرمين الشريفين، بل وصفوها رابع أقدس مدينة بعد مكة المكرمة والمدنية المنورة والقدس الشريف.

 

ومن الممالك المشهورة هي مملكة أرابيني أو "مملكة فطجار"، وشهرتها جاءت من معركة "شمبرا كوري" سنة 935 هـ (1529)، حيث كانت أول معركة ينتصر فيها المسلمون على الملك الحبشي لبنا دنقل (914- 947 هـ) (1508- 1540) الذي كان يرفع لواء النصرانية في مواجهة الإسلام، وقادها الإمام أحمد بن إبراهيم الأشول الشهير بالإمام الغازي الذي استطاع توحيد الممالك الإسلامية وتوسيعها، لكنه قتل في إحدى المعارك عام 950 هـ (1542) بعد أن استنجدت الممالك غير المسلمة بالقوات البحرية البرتغالية.

في الواقع أن الإسلام دخل الحبشة مبكرا من الساحل الأفريقي للبحر الأحمر، ودخلها ولكن بشكل بطئ بعد أن فتح المسلمون مصر في العام 20 للهجرة وانطلقوا جنوبا نحو السودان، فالطريق البحري كما يوصف أهم الطرق التي دخل عبرها الإسلام إلى الساحل الغربي عامة، ثم أخذ بالتعمق الأكثر نحو الغرب ليمتد إلى وسط القارة الأفريقية